ثلاث دور نشر واعدة في فضاء أدب الطفل المصري
محمد فتحي وخالد عبد الحميد ومصطفى كمال مصطفى؛ ثلاثة أسماء لمعت مؤخرًا في فضاء أدب الأطفال واليافعين في مصر… يا ترى من هم ولماذا قرروا تأسيس دور نشر خاصة بهم؟
لنتعرف معًا عليهم وعلى دور نشرهم وإصداراتهم الجديدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام.
أرجوحة: نهج ثاقب
محمد فتحي، كاتب وأكاديمي من مواليد القاهرة. أحب الكتابة منذ سن مبكرة ونشرت أعماله في مجلة سمير وهو في المرحلة الإعدادية. تربى على أعمال روايات مصرية للجيب وقرأ القرآن في افتتاح مهرجان القراءة للجميع بمركز شباب الشرابية. كان والده يرى أن الكتب والاطلاع أهم شيء وهي التي تجعل الإنسان محترمًا فغرس في محمد حب القراءة. كتب في العديد من المجلات والتحق بقسم الصحافة في كلية الآداب جامعة حلوان، وعمل معيدًا بعد التخرج وتدرج حتى حصل على الدكتوراه في إدارة المؤسسات الإعلامية. ورغم عمله في العديد من المجالات الخاصة بالكتابة إلا أن الكتابة للطفل لازالت هي الأقرب إلى قلبه وحلمه القديم بأن يترك كل شئ ويتفرغ لها تمامًا، لكنه حلم مؤجل لأن الكتابة للطفل لازالت غير مجزية على الإطلاق في مردودها المادي.
جاء قرار تأسيس دار أرجوحة ليقترب محمد فتحي من أحلامه. يرى محمد أن منافذ أدب الطفل غير كافية في الوطن العربي رغم وجود مبدعين على أعلى وأرقى مستوى، كما أن هناك نصوص كثيرة حلم بتواجدها على الساحة لكنها لم تأت أبدًا. مع وجود دار نشر كبيرة مثل عصير الكتب التي تملك أرجوحة، ومع وجود تقارب شديد في الرؤية والأحلام في مجال النشر، ولدت دار أرجوحة للنشر كخطوة أولى لمشروع كبير يخص أدب وفنون الطفل.
تهتم أرجوحة بالوعي. هذا الوعي الذي يختصره البعض في مجال دون آخر، تعتبره أرجوحة فرضًا على كل قصة تقدمها. والوعي هنا بمعنى يشتبك مع الواقع، ويقدم للأطفال وأولياء أمورهم قصصًا تعبر عن واقعهم، وتتفاعل معه وتعرفهم على تاريخ بلدهم والعالم من حولهم، بالإضافة إلى القصص الإنسانية العالمية التي يستطيع أي طفل في العالم أن يحبها لو ترجمت وقدمت له بشكل جيد.

يرى محمد فتحي أن أدب الطفل في مصر مظلوم لدرجة لا تصدق وأنه بدون دعم رسمي سيعاني بشدة. إن تكلفة كتب الأطفال تزيد والإنتاج قليل والأفكار كثيرة والمبادرات قليلة ولولا جهود متميزة لعدد من الحكواتية مثل هيثم شكري وهيثم عبد ربّه، ولولا إصرار دور نشر كبرى مثل الشروق ونهضة مصر والمصرية اللبنانية على الإصدارات، ولولا مكتبة عظيمة ومهمة مثل البلسم ومبادرة متميزة مثل حادي بادي وجهد رائع للكاتبة سماح أبو بكر عزت في قرى مبادرة حياة كريمة، وأسماء عظيمة تكتب وتبدع دون ملل، لما ظل كتاب الطفل موجودًا.
نشرت دار أرجوحة حتى الآن ما يقرب من 80 عنوان ما بين إصدارات أصلية ومترجمة للفئات العمرية المختلفة. ولقد تم اختيار كتاب “حكاية لعبة” من تأليف محمد فتحي ورسوم مصطفى برشومي من قبل المجلس المصري لكتب الأطفال لتمثيل مصر في قائمة شرف المجلس العالمي لكتب الأطفال لعام 2024. يمكنكم زيارة جناح الدار خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب (صالة 5 – جناح B3) بالإضافة إلى الإطلاع على كل الإصدارات على موقع الدار ومتابعة حساب الإنستجرام والفيسبوك.
مرح: منظور تقدمي
عمل خالد عبد الحميد مدة طويلة في بناء الأرشيفات وأسس في 2004 مؤسسة دعم لتقنية المعلومات مع الباحث أحمد خير. تأثر خالد بالكتب والمجلات والقراءة منذ الصغر وكان ينتظر معرض الكتاب من السنة إلى السنة. تشكل وجدانه بكتب الأشعار وقصص المكتبة الخضراء وكتب دار الفتى العربي.
فكرة تأسيس دار نشر للأطفال كان حلم مشترك مع الصديق علي شعث. كان الحلم هو إحياء تجربة دار الفتى العربي ثم تعطل المشروع بسبب ثورة يناير ثم رحيل علي ثم ظروف شخصية حتى تحقق الحلم أخيرًا عام 2022 وتم تأسيس دار مرح لكتب الأطفال بالشراكة مع الصديق العزيز أحمد خير.

رؤية دار مرح نابعة من الإدراك بأن الأطفال حياتهم مليئة بالخيال والإبداع. لذلك تسعى الدار لخلق عوالم ممتعة ومثيرة تزرع في عقول الأطفال شغف الخيال وتثري عوالمهم بالمعرفة والتفكير النقدي من خلال حكايات أدبية شيقة، تعكس تنوع المجتمع وتحترم ثقافاته، وتتناول قضاياه بعمق يناسب الأطفال وعقولهم المتطلعة. كما تؤمن دار مرح بأن العلاقة بين اللغة العربية العامية والفصحى هي علاقة حيوية وتبادلية، وأن اللغة كائن حي؛ جزء من مرونتها وبلاغتها يكمن في قدرتها على التحول إلى لهجات متعددة. هدف الدار هو أن يشعر الأطفال بالارتياح في استخدام لغتهم الأم للتعبير عن أنفسهم والتواصل مع غيرهم، سواء استخدموا اللغة العربية العامية أو الفصحى.
لدى خالد شغف في استكشاف أرشيف المجلات القديمة، واستخرج منها كنوز القصص والشعر التي ألهمت سلسلة “حلاوة زمان”، التي أصبحت ركيزة قوية لدار مرح من خلال إعادة طباعة بعض القصص والقصائد التي ألفها قامات في مجال الأدب والصحافة للأطفال في فترة أواخر الستينيات التي يسميها خالد “الفترة المدهشة”. تنشر دار مرح هذه الإصدارات مع تصور بصري جديد مثل كتابي مذكرات أرنب الغابة ليحيى الطاهر عبدالله، والبوري الحكيم جدًا لفؤاد حداد من رسومات الفنانة سحر عبدالله أو مع الحفاظ على الرسومات القديمة مثل ديوان كروان الصادر هذا العام.
تسعى دار مرح إلى تقديم كل المشاعر وكل الأفكار بطريقة جذابة وسلسة من خلال العمل التشاركي ما بين الكاتب/ة والرسام/ة وفريق الدار وكأنها “عملية خبيز” حتى يخرج الكتاب في أفضل صورة.
يرى خالد أن الساحة المصرية بإمكانها استيعاب العشرات من المبادرات المتنوعة للعمل مع الطفل وتطوير المزيد من المحتوى العربي الجذاب للأطفال. معظم دور النشر تواجه تحديات مشتركة ولكن ليس هناك أي قطاع تنافسي من وجهة نظر خالد حيث أن السوق كبيرة والاحتياجات كثيرة والأذواق متنوعة. وعلى الرغم من الظروف الإقتصادية الصعبة التي تؤثر على النشر والتوزيع، يؤمن خالد بأن هناك دائمًا أمل في خيال الأطفال وفي المستقبل.
تقدم دار مرح إصدارات متنوعة للفئات العمرية المختلفة. يمكنكم زيارة جناح الدار خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب (صالة 4 – جناح C49) بالإضافة إلى الإطلاع على كل العناوين على حساب الدار على الانستجرام والفيسبوك.
ومضة: واحة ثقافية
أسس مصطفى كمال مصطفى دار ومكتبة ومضة في أسيوط في عام 2012. مصطفى حاصل على بكالوريوس خدمة اجتماعية وعمل في المجال الثقافي منذ 2008، كما صدر له عدد من الكتب والدواوين الشعرية (لهذا كن متفائلاً 2010 – متعة القراءة 2011 – ديوان أول حلم 2013 – ديوان سحابة شجن 2023).
ومضة عبارة عن كيان ثقافي مستقل في أسيوط. بدأ بمكتبة للقيام بدور الوسيط ما بين دور النشر فى القاهرة وقراء ومثقفي الصعيد حيث كان من الصعب إيجاد كتب متنوعة من دور النشر المحببة فى النطاق الجغرافي نظرًا لضعف شبكة التوزيع وعدم وجود أماكن لبيع الكتب الحديثة. بعد أربع سنوات من مبادرات مستقلة لتنظيم معارض مختلفة في محافظات الصعيد داخل الجامعات والأماكن العامة، قرر مصطفى تأسيس المكان بمثابة مساحة ثقافية شاملة وليس مجرد مكان لبيع الكتب؛ مساحة للقراءة والاستعارة وعروض أفلام وحفلات موسيقى وغناء وحفلات توقيع وأمسيات شعرية وورش فنية وحرفية وثقافية للأطفال والكبار.
فى 2015، جاءت فكرة النشر وبالفعل نشرت ومضة رواية لليافعين وديوان شعر ولكن توقف النشر للتركيز على نجاح المكتبة ونشاطها والدور المميز التي كانت تقوم به وسط غياب المؤسسات والأنشطة الثقافية في الصعيد. ولكن مع زيادة وانتشار الكتب المزورة، أثر الموضوع سلبًا على مبيعات الكتب وتم التوقف عن الأنشطة الثقافية تمامًا لعدم قدرة المكتبة على تمويلها.

يصرح مصطفى أن السبب الرئيسي في دخوله مجال أدب الطفل، كان نسخة من مجلة سمير اشتراها وهو فى الصف الثالث الإعدادى وكان يكتب فى باب مراسل سمير الصحفي الناشئ. عرف مصطفى من صغره قيمة القراءة وتأثير الكتاب والقصة. لذلك في عام 2023، اتخذ قرار معاودة النشر مع التركيز على كتب الأطفال هذه المرة حيث أنه يرى أن هذه المساحة فى النشر مازالت بحاجة إلى إضافات كثيرة وبإمكان ومضة أن تقدم إصدارات جديدة ومختلفة.
تجربة مصطفى في مجال الكتب والنشاط الثقافى ساعدته في التعرف على واستكشاف الأدوات المختلفة لتطوير وتشكيل رؤية دار ومضة. ما هو ثابت وأساسي منذ البداية هو تقديم أدب طفل حقيقي وعصري يصل للطفل من خلال تناول مواضيع قريبة من واقعه ومتغيراته وتجاوب على تساؤلاته في المراحل المختلفة بأمان وبطريقة إبداعية تتساوى مع إدراك وذكاء أطفال اليوم.
لدى مصطفى حلم يحاول جاهدًا تحقيقه وهو أن تصل قصص ومضة إلى دول أجنبية مختلفة وتترجم لعدة لغات للمساهمة ولو بصورة بسيطة في نشر وتواجد الأدب العربي للطفل وسط الأدب العالمي.
تقدم دار ومضة إصدارات متنوعة للفئات العمرية المختلفة. يمكنكم زيارة جناح الدار خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب (صالة 5 – جناح B29) بالإضافة إلى الإطلاع على كل العناوين على حساب الدار على الانستجرام والفيسبوك.
تقام الدورة ال56 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة من 23 يناير إلى 5 فبراير 2025 بمركز مصر للمعارض الدولية. شخصية معرض الطفل (قاعة 5) لهذا العام هي الكاتبة فاطمة المعدول. يمكنكم معرفة دور النشر المشاركة على الموقع الرسمي للمعرض.


